شقرون حسني: بؤس الانطولوجيا... مازال كاين ليصبوار...

أ.د.بودومة عبد القادر / د.بن دوخة هشام 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الشاب حسني ..."مازال كاين ليصبوار"

 

     نستحضر الذكرى السادسة والعشرون لإغتيال المرحوم "شقرون حسني" أو كما كان ملقبا "بالشاب" حسني، وكلمة "الشاب" آنذاك كانت تحيل إلى كل من كان يؤدي ذلك اللون الموسيقي الغنائي الذي يسمى "بالراي" مثل "الشاب خالد" و"الشاب مامي"، وكان كاتب الكلمات محمد نونة(رحمه الله) في آخر زيارة تفقدتها فيه حينما كان يصارع المرض في مستشفى وهران، قد أجاب عن سؤالي حول معنى كلمة "شاب": بأنها ظهرت في وهران بعد كلمة "الشيخ" التي صاحبت الرعيل الأول من أولئك الذين كانوا يؤدون طابع "البدوي" ثم عملوا على تطويره ليسمى لاحقا "بالراي" مثل الشيخ فتحي(رحمه الله) والشيخ النعام وغيرهما. وأذكر جيدا أن محمد نونة (رحمه الله) أشار إلي أن كلمة"الشاب" (Jeune) آنذاك كانت نسبة إلى مغني هذا النوع الموسيقي- الراي- والذي يمثل لسان حال شباب المجتمع ويفصح عن معاناته وآماله وأحلامه.

 

"حسني" صوت ظهر في "قمبيطة" ...

     في الفاتح من فبراير 1968 ولد المرحوم "شقرون حسني" بحي "قمبيطة" العتيق، لأسرة من خمسة أفراد وأب حداد بسيط وأم ماكثة بالبيت، انفصل عن الدراسة مفضلا كرة القدم ليلتحق بالفئات الصغرى لنادي "جمعية وهران". ويبدو أن الموسيقى كانت قد استهوته في نهاية المطاف سيما بعد تشجيع أبناء حيه له على سلك دربها بعدما لقي صوته إشادة كبيرة من أصدقاء حيه، نذكر منهم أقرب المقربين إليه وهما "بيقة" و"زينو". وفي مسقط رأسه "قمبيطة" هناك بدأ بإطلاق العنان لصوته داخل الأعراس المحلية والحفلات المصغرة .وفي سن الثامنة عشر عرضه "قادة ناوي" الذي كان يشرف على فرقة موسيقية في "قمبيطة" وكان "حسني" منتميا اليها على صاحب شركة الإنتاج الموسيقيةsaint crepain""  المعروف ب"محمد "saint crepain"، ليقوم بإختباره ثم مطالبته بالفور تسجيل ديو(Duo) مع "الشابة الزهوانية" ، وبعد تجربته الأولى هذه، ذاع صوت"حسني" مباشرة بفضل حسن صوته وأدائه.

    لم يكن "حسني" يتوقع نجاح أغنية "البراكة" مع "الزهوانية"، لكن ومع ذلك راح يخطو بخطوات ثابتة نحو النجاح، إذ وفي ظرف قياسي أصبح أكثر المغنين طلبا من قبل شباب جيل التسعينات، وتمكن في وقت ضيق من إيصال صوته إلى خارج الجزائر حيث هامت بأغانيه شريحة كبيرة أيضا من شبان بلدان المغرب العربي وخاصة من المغرب وتونس.

     وتزامنا مع ذيوع صيته تمكن أيضا من لم شمل أهم فناني وهران الذين آمنوا بقدراته الفريدة في الغناء فالتفوا حوله ليشكلوا حلقة موسيقية حاولت تجديد "الراي" وأبدعت لونا جديدا فيه وهو ما يعرف "بالسونتيمونتال ((sentimental ، كل من زاويته وتخصصه، فكان عبد "القادر جيدار" المعروف في وهران ب"عبد القادر الصوناكوم" كاتبا لكلماته وكذلك " محمد نونة" (رحمه الله) ابن "مكي نونة" المعروف على مستوى وهران بتأليفه لرائعة "لرسام" وصحاب البارود"، ولعل " محمد نونة" كان أشهر من كتب له روائعه حيث كان يعرف بقدرة خارقة على ترجمة معاناة حسني العاطفية في ظرف زمني قياسي. ضف إلى ذلك تواجد كل من الموزع الصوتي المايسترو" علي بوعبد الله" وأيضا "حسين شريط" وكلاهما قام بتلحين روائع حسني وهما من خريجي المعهد الجهوي للموسيقى بوهران.

 

ثماني سنوات فقط هي العمر الفني "لحسني"...

     في فترة زمانية وجيزة خلف المرحوم "حسني" ما ناهز ثلاثة مائة أغنية ومئة وستون ألبوما، وكان لربما لو قدر له أن يعيش أكثر أن يتجاوز الألف في وقت وجيز، لم تدع أغانيه موضوعا من مواضيع الشباب إلا وشملته فغنى عن الحب والأمل والفراق والفقر واليتيم والغربة. وربما كان قد تنبأ مبكرا عن موته حيث ردد في أحدى أغانيه: " حالف عند "السبالة" نموت"، وبالفعل ذلك ماكان وفي ذاك المكان بالضبط امام مقر سكناه "بقمبيطة" وفي منتصف نهار يوم الخميس تسعة وعشرون من سبتمبر سنة 1994 وامام حنفية الحي تحديدا فاجأته رصاصتان أردته قتيلا، كانت البلاد إبانها تعيش هول العشرية السوداء وكان المرحوم لتوه قد نشط حفلا بمناسبة عيد الإستقلال في الخامس من جويلية من ذات السنة، حضره الآلاف من محبيه وكان آخر حفل له.

مات "حسني" ولكن روائع"ذاك المحروم" "وطال غيابك" "وياما" وغيرها لم تمت.

     وأنا أهم بالإنصراف بعد زيارتي لمحمد نونة رحمه الله سألته سؤالا أخيرا عن رأيه في الراي اليوم؟ أجابني بدون تردد:بعد موت المرحوم تحول "الراي" إلى الشاب "زونقة" لكن كيما قال المرحوم "مازال كاين ليصبوار" ...

بقلم الأستاذ بن دوخة هشام

شعبة العلوم الانسانية، جامعة تلمسان

مخبر الفلسفة وتاريخ الزمن الحاضر بجامعة وهران2

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 ---------------------------------------------------

حسني...بؤس الانطولوجيا

 

« ..La mort est revient en danseuse hagarde ! …Dernière des nouvelles de cette semaine : un musicien a été abattu  Tu vois ;

on fusille même le rossignol !  …A Oran on oublie. Oubli sur oubli… »  

Assia Djebar. Oran. Langue morte. Paris .Babel.1997. p 13.

 

 

  صباح ذات خميس، بداية الخريف، 29 أيلول/ سبتمبر1994 ، أقتني كعادتي الجريدة (الخبر) متوجها نحو مقهى الشباب( اليوم مقهى حسني) بجانب نهج "كناستيل"، كانت الساعة تشير إلى الحادي عشرة والنصف عندما دخل الشاب حسني بمعية أصدقائه المقهى، طبعا لم أكن لحظتها أدرك أنني أراه للمرة الأخيرة، على الرغم من أنني لم ألتق به من قبل وجها لوجه . كل لقاء يقتضي مواجهة، غادرت بعدها المكان متوجها إلى المنزل،و عند وصولي وقفت بعض من الوقت، فإذا بحركة غريبة بدأت تخترق المكان والزمان في آن معا، تلاميذ الحي يركضون ويصرخون بصوت مليء بالفزع والدهشة ...قتلوا حسني....قتلوا حسني....

 

  طبعا لم يكن ولن يكون حسني الشخصية الوحيدة التي اغتالتها و ستغتالها يد البربرية ، أسماء  "وهرانية" فريدة و متميزة تم الغدر بها : "علولة"، "بختي بن عودة"، "بابا أحمد"، "سنحضري"، "فار الذهب"، "زعيتر"، "مصباحي"....أسماء كانت ضمن برنامج خطاب الحقد والكراهية. لقد كانت وهران لحظتها تهب للموت أفضل وأروع الرجال، "حسني" واحد من هؤلاء، إلا أن افتتانه بوهران حال دون مغادرتها ،كان يفضل المكوث فيها، فضل أن لا تكون حياته مجرد حنين إلى مدينة قد يندم يوما على فراقها، وهران بالنسبة إلى "حسني" هي الحب ،العشق، والحنين. وهران "حسني "أصل كل غواية ، إنها كانت و لا تزال الحياة عينها Vie ( بالحرف الكبير).الحياة هنا ليست مسار بيولوجي و لا حتى مجرد معبر نحو حياة أخرى دينية الدلالة لا يعلم عنها شيئا. إنها ( أي الحياة ) على خلاف كل هذا حياة محكومة بفائض من التوتر و ال"لا-استقرار" ، إنها فرح المأساة والألم . هذا ما جسد في نظرنا أنطولوجيا المكوث في مدينة كانت باستمرار ولا تزال تحتضن وترحب بالوافد إليها دون قيد أو شرط، كانت تستقبل ضيوفها بقرابين جميلة تهبها إلى أنصاف الآلهة.

 

  "في مدينة وهران يستأنف تقول الأديبة "آسيا جبار"- في عملها الرائع الموسوم ب : "وهران .لسان ميت «." Oran. Langue morte وهي تتأسف عن اغتيال "حسني"-  الموت باستمرار  كراقصة حائرة ، تائهة. في مدينة وهران يقتل حتى العندليب ..وهران هذه المدينة ال"نساءة" ، تنسج نسيان حول النسيان... ففي وهران يكفي ثلاثة أيام للبكاء وللصمت من أجل تجاوز محنة الاغتيال والقتل، لكن بعدها تتيه وهران و تنساب في عمق الحياة." هكذا تفضل الكاتبة آسيا جبار وصف مأساة وهران التي تكمن في مأساة اغتيال "حسني". غير مبالية بأحزانها لأنها أصل الخليقة، أصل اختلاط المعاناة والفرح ، لهذا أحبها "حسني" الذي لم يكن يتصور أنطولوجية غيرها.

معذرة "حسني" لم أعد أرتاح لغواية الاحتفاء بالذكرى أتعرف لماذا ؟ لأن كل تذكار خيانة في حقك. فلقد ألفنا ممارسة الحماقات عند كل ذكرى. فإما أن تكون ذكراك مجرد قول لأفكار و كلمات سطحية و إما أن تكون محمولة باحترام فائق لشخصك، احترام يلزمنا باختزال رهيب في حق حبنا لك.لأننا نريد أن نتذكرك مثلما كنت تود و ترغب أن تكون. في كلتا الحالتين ننجز ذكرى مليئة بحماقة لا تغتفر.

 

بقلم الأستاذ بودومة عبد القادر

شعبة العلوم الانسانية، جامعة تلمسان

مخبر الفينومينولوجيا وتطبيقاتهابجامعة تلمسان

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

 

 

فلسفة و ثقافة

علوم اجتماعية

علوم انسانية

أدب و ترجمة